نظرتي للدكتور يوسف القرضاوي كنظرة كثير من المتدينين الذين لايرونه إلا متساهلا في
الفتوى، محللا على الناس كل شيء، لايؤتمن على فتوى حتى يُبحث عن رأي غيره للاطمئنان
من صحة كلامه، بل لا أطلع على فتاويه أصلا لشهرتها بإباحة كل شيء. فقد كانت تلك الفترة في
السنين الأولى من حياتي وانتظامي بالدعوة حيث كنت إن صحت العبارة إلى السلفية أقرب من
الإخوان، ودخلت دورة محمد بن عبدالوهاب الشرعية بالكويت منطقة الفيحاء، وعلى إثرها،
وكان ذلك في أيام نشأتي بالناشئة، قلت لمسؤولي: أني مقتنع بالدعوة السلفية أكثر من دعوة
الإخوان المسلمين… إلى أن مسكني مسؤول مشرفي الناشئة وأسمعني كلاما.. حمدت الله
إثره أني مازلت أماشي شباب جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت. ليس هذا موضوعي،
المفاضلة بين عمل جمعية إحياء التراث الإسلامي وعمل جمعية الاصلاح الاجتماعي، ولا
موضوعي تبيان الحكم الفقهي للمصافحة بين الجنسين، حديثي عن نظرة كثير من الشباب (ومن
الإخوان)، بعضهم كان، وآخر لايزال، ينظر إلى القرضاوي تلك النظرة الظالمة البعيدة عن
الإنصاف.
إلى أن قدّر الله لي في أحد الأعياد قبل حوالي 8 سنوات أقل أو أكثر، إذ كنت بصحبة أخي
الأكبر للتزاور في العيد، وهو منتظم بالدعوة وسابقني فيها، وفي معرض السلام وتحية الاستقبال
بين الأهل والأقارب، تعرّض لمد يد امرأة من الأهل مصافحة ليست محرمة له، فـ”بحلقَت” عيني
وأضاءت الحمراء عندي إذ بي أراه يمد يده هو الآخر ليصافحها..! كانت بالنسبة لي كبيرة، كيف
تصافح امرأة لا تحل لك؟؟ أما تخاف من النار؟ أما تعرف أنه لا يجوز لك ذلك؟؟…ظليت
طوال الزيارة حائر غاضب عليه كيف ارتكب هذا الفعل؟ كيف هكذا تتساهل وتتنازل عن
مبادئك؟! حتى ركبنا السيارة وهدأ من نفسي ولا أذكر ذكر كلاما أقنعني، إلى أن وصلنا البيت
فصور لي فتوى مصافحة الرجل للمرأة للقرضاوي.
قرأتها… بهدوء….. لم أتصور أن الشيخ القرضاوي هكذا من العلم وبهذا الأفق الواسع من
فقه الواقع، تغيرت نظرتي كليا 180درجة عن العلامة الدكتور سماحة الوالد الشيخ يوسف
القرضاوي، كان تأثير حسن عرض السؤال ومنهجية القرضاوي في تحليله وتفتيته والرد عليه
جزئية جزئية مع مجاراته لأحوال مسلمي العالم قدر المستطاع في الفتوى المناسبة لظروف
معيشتهم، بالدليل والحجة والبرهان من الكتاب والسنة وخلافه من أدلة الشرع، أكبر من اقتناعي
بالنهاية بالرأي الذي توصل إليه حفظه الله. حتى صرت مع مرور الزمن أراه شيخي الأول ولا
أحكم على مسألة شائكة من أمور المسلمين أو رأي فقهي مشهور الاختلاف دون أن أعلم ما
تقول سماحته. وحتى نبهني أو ذكرني ذات مرة د.طارق السويدان بأن الرجال يعرفون بالحق
وليس الحق يعرف بالرجال، من شدة إعجابي وحبي للقرضاوي.
ليست درجة حاجتي للمصافحة والحمدلله كما هي عند السائل. وعلى أنني مقتنع بالفتوى وبأدلتها
تماما (ليس مطلق المصافحة بل كما هو مفصل في الفتوى) إلا أني لا أدعو إليها كونها تتم مسالة
خلافية بين الفقهاء، ولن ينتهِ النقاش فيها إلى رأي واحد بطبيعة اختلاف العقول المستنبطة للحكم
والمقدرة للواقع. لكنها دعوة لكل من أشاركه نظرتي للعلامة القرضاوي في السابق إلى أن يقرأ
فتوى المصافحة هذه كمثال لعقلية وسعة علم هذا العالِم لعله يصل به لنظرة متوازنة بعض الشيء
من الظلم عليه. والمفيد بهذه الفتوى أيضا تبيان معنى “حسن السؤال نصف الإجابة”.
المدعو للتأمل كذلك أني كنت أكثر تشددا ومحافظةً من أخي لفترة طويلة من التزامي، والآن أنا
أكثر تحررا منه وهو من فتح لي هذا الباب ودلني عليه. الآن أنا أكتب هذه أكتب هذه الأسطر
في الخامسة والعشرين من الشهر، والخامسة والعشرين من العمر تكتمل، فسبحان مقلب
الأحوال والأفكار، والحمدلله مازلنا كلينا في الدعوة.
وللذي يستطيل المقالة فيستطيع الرجوع إلى الفتوى في كتاب “فتاوى معاصرة” للدكتور
يوسف القرضاوي الجزء الثاني ويكتفي بذلك، حيث أني سأورد أدناه نص السؤال والفتوى نقلا
عن الكتاب دون أي تصرف.
ودمتم بحفظ الله وكنفه ،،،
السؤال: مشكلة تواجهني ولا أشك أنها تواجه غيري من الناس، وهي التعرض للسلام على
النساء باليد، أعني المصافحة ، وخصوصا للقريبات منهن، ممن لسن محرمات عليّ أي مثل ابنة
خالي أو ابنة خالتي أو ابنة عمي أو ابنة عمتي أو امراة العم أو امرأة الخال أو أخت زوجتي أو
غيرهن ممن تصلني بهن روابط قرابة أو مصاهرة، ولا سيما في مناسبات معينة كالقدوم من سفر
أو الشفاء من مرض أو العودة من حج أو عمرة، أو نحو ذلك من المناسبات التي اعتاد الأقارب
والأصهار ومثلهم الجيران والزملاء، أن يصل بعضهم بعضا ويهنئ بعضهم بعضا ويصافح بعضهم
بعضا.
والذي أسأل عنه هو: هل ثبت في الكتاب أو السنة تحريم هذه المصافحة مع توفر
ماذكرت لكم من الدواعي الاجتماعية والروابط العائلية ومع التأكيد من توفر جو الثقة وأمن الفتنة
والبعد عن مثيرات الشهوة، ومع ما يثيره ترك المصافحة من النظر إلينا معشر المتدينين على أننا
متزمتون متشددون نحتقر المرأة ونسيء الظن بها…إلخ إلخ.
إذا كان هناك دليل شرعي، فنحن نحترمه من غير شك، ولا نملك إلا السمع والطاعة
بحكم إيماننا بالله ورسوله، وإن كان الأمر مجرد اجتهاد فقهائنا القدامى، فقد يجوز لفقهاء عصرنا أن
يخالفوهم، إذا أداهم إلى ذلك اجتهاد صحيح، بناء على ما تقتضيه أوضاعنا المتغيرة وظروف حياتنا
المتطورة.
لهذا كتبت إليكم راجيا بحث القضية من جذورها، على القرآن الكريم والحديث
الشريف، فإن قام الدليل على المنع امتنعنا ولا ريب. وإن كان في الأمر سعة، فلا نضيق على ما
وسع الله علينا، ولا سيما مع شدة الحاجة وعموم البلوى.
أرجو ألا تشغلكم أعباؤكم الكثيرة عن الرد على رسالتي، فإنها –كما قلت لفضيلتكم-
ليست مشكلتي وحدي بل مشكلة الملايين من أمثالي. شرح الله صدركم للإجابة، ويسر لكم
الوقت لتحقيق المسألة ونفع بكم.
الجواب: لا أكتم السائل أن قضية مصافحة الرجل المرأة التي يسأل عنها قضية شائكة، وتحقيق
الحكم فيها بعيدا عن التزمت والترخص يحتاج إلى جهد نفسي وفكري وعلمي، حتى يتحرر المفتي
من الأفكار المستوردة، والأفكار المتوارثة جميعا إذا لم يسندها كتاب ولا سنة، وحتى يستطيع
مناقشة الأدلة وموازنة الحجج بعضها ببعض لاستخلاص الرأي الأرجح والأدنى إلى الحق في نظر
الفقيه، الذي يتوخى في بحثه إرضاء الله لاموافقة أهواء الناس.
وقبل الدخول في البحث والمناقشة أود أن أخرج صورتين من مجال النزاع أن حكمهما لاخلاف
عليه بين متقدمي العلماء فيما أعلم:
الأولى: تحريم المصافحة للمرأة إذا اقترنت بشهوة والتلذذ الجنسي من أحد الطرفين: الرجل أو
المرأة، أو خيفت فتنة من وراء ذلك في غالب الظن، وذلك أن سد الذريعة إلى الفساد واجب
ولا سيما إذا لاحت علاماته وتهأيت أسبابه.
ومما يؤكد هذا ما ذكره العلماء أن لمس الرجل لإحدى محارمه، أو خلوته بها –وهي من قسم
المباح في الأصل- تنتقل إلى دائرة الحرمة إذا تحركت الشهوة أو خيفت الفتنة(1) وخاصة مع
مثل بنت الزوجة أو الحماة أو امراة الأب أو أخت الرضاع، اللائي ليس لهن في النفوس ما للأم
أو البنت أو الأخت أو العمة أو الخالة أو نحوها.
الثانية: الترخيص في مصافحة المرأة العجوز التي لاتشتهى، ومثلها البنت الصغيرة التي لا
تشتهى، للأمن من أسباب الفتنة وكذلك إذا كان المصافح شيخا كبيرا لايشتهى.
وذلك لما روى عن أبي بكر رضي الله عنه أنه كان يصافح العجائز، وعبدالله بن الزبير
استاجر عجوزا تمرضه، فكانت تغمزه وتفلي رأسه(2).
ويدل لهذا ما ذكره القرآن في شأن القواعد من النساء، حيث رخص لهن التخفف من بعض
أنواع الملابس ما لم يرخص لغيرهن [والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم] (3) ومثل ذلك استثناء غير أولي الإربة من الرجال، أي الذين لا أرب لهم في النساء، والأطفال الذين لم يظهر فيهم الشعور الجنسي لصغر سنهم- من نهى المؤمنات عن إبداء الزينة: [أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء](4)
وما عدا هاتين الآيتين فهو محل كلام، وموضع البحث والحاجة إلى التمحيص والتحقيق.
فالذين يوجبون على المراة أن تغطي جميع جسمها حتى الوجه والكفين، لايجعلونها من المستثنى المذكور في قوله تعالى[ ولا يبدين زينتهن إلا ماظهر منها] بل يجعلون ما ظهر منها الثياب الظاهرة، كالملاءة والعباءة ونحو ذلك أو ما ظهر منها بحكم الضرورة كأن ينكشف منها شيء عند هبوب ريح شديدة أو نحو ذلك..
هؤلاء لا عجب أن تكون المصافحة عندهم حراما، لأن الكفين إذا وجب تغطيتهما كان النظر إليهما محرما، وإذا كان النظر محرما كان المس كذلك من باب أولى، لأن المس أغلظ من النظر لأنه أقوى إثارة للشهوة، ولا مصافحة دون أن تمس البشرة البشرة.
ولكن المعروف أن أصحاب هذا القول هم الأقلون وجمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم يجعلون المستثنى من قوله تعالى [إلا ماظهر منها] الوجه والكفين.
فما الدليل عندهم على تحريم المصافحة إذا لم تكن بشهوة؟
الحقيقة أنني بحثت عن دليل مقنع منصوص عليه، فلم أعثر على ما أنشده.
وأقوى مايستدل به هنا هو سد الذريعة إلى الفتنة، وهذا مقبول من غير شك عند تحرك الشهوة، أو خوف الفتنة بوجود أماراتها، ولكن عند الأمن من ذلك -وهذا يتحقق في أحيان كثيرة- ما وجه التحريم؟
ومن العلماء من استدل بترك النبي صلى الله عليه وسلم مصافحة النساء عندما بايعهن يوم الفتح بيعة النساء المشهورة على ما جاء في سورة الممتحنة.
ولكن من المقرر أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم لأمر من الأمور لايدل بالضرورة على تحريمه. فقد يتركه لأنه حرام وقد يتركه لأنه مكروه وقد يتركه لأنه خلاف الأولى، وقد يتركه لمجرد أنه لا يميل إليه، كتركه أكل الضب مع أنه مباح.
وإذن يكون مجرد ترك النبي صلى الله عليه وسلم للمصافحة لا يحمل دليلا على حرمتها ولابد من دليل آخر لمن يقول بها.
على أن ترك مصافحته صلى الله عليه وسلم للنساء في المبايعة ليست موضوع اتفاق، فقد جاء عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها مايدل على المصافحة في البيعة خلافا لما جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حيث أنكرت ذلك وأقسمت على نفيه.
روى البخاري في صحيحه عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من يهاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية: يقول الله تعالى:[يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولايسرقن ولايزنين ولايقتلن أولادهن ولايأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولايعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم](5)، قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:”قد بايعتك” –كلاما- ولا والله مامست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله:”قد بايعتك على ذلك”(6)
قال الحافظ ابن حجر في “الفتح” في شرح قول عائشة “ولا والله” إلخ: فيه القسم لتأكيد الخبر، وكأن عائشة أشارت بذلك إلى الرد على ماجاء عن أم عطية. فعند ابن حبان والطبري وابن مردويه من طريق إسماعيل بن عبدالرحمن عن جدته أم عطية في قصة المبايعة، قالت: فمد يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال:”اللهم اشهد”.
وكذلك الذي بعده- يعني بعد الحديث المذكور في البخاري- حيث قالت فيه:”فقبضت امرأة يدها” فإنه يشعر بأنهن كن يبايعن بأيديهن.
قال الحافظ: ويمكن الجواب عن الأول: بأن مد الأيدي من وراء الحجاب إشارة إلى وقوع المبايعة وإن لم تقع المصافحة… وعن الثاتي: بأن المراد بقبض اليد: التأخر عن القبول.. أو كانت المبايعة تقع بحائل، فقد روى أبوداود في المراسيل عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بايع النساء أتى ببرد قَطَرى فوضعه على يده، وقال:”لا أصافح النساء” وفي مغازي ابن اسحاق: أنه كان صلى الله عليه وسلم يغمس يده في إناء وتغمس المرأة يدها معه.
قال الحافظ: ويحتمل التعدد، يعني أن المبايعة وقعت أكثر من مرة، منها مالم يمس يد امرأة قط لا بحائل ولا بغيره إنما يبايع بالكلام فقط، وهو ما أخبرت به عائشة. ومنها ما صافح فيه النساء بحائل، وهو ما رواه الشعبي.
ومنها الصورة التي ذكرها ابن اسحاق من الغمس في الإناء والصورة التي تدل عليها كلام أم عطية من المصافحة مباشرة.
ومما يرجح احتمال التعدد: أن عائشة تتحدث عن بيعة المؤمنات المهاجرات بعد صلح الحديبة، أما أم عطية فتتحدث-فيما يظهر- عما هو أعم من ذلك وأشمل لبيعة النساء المؤمنات بصفة عامة، ومنهن أنصاريات كأم عطية راوية الحديث. ولهذا ترجم البخاري لحديث عائشة تحت عنوان باب:[ إذا جاءك المؤمنات مهاجرات] ولحديث أم عطية باب:[إذا جاءك يبايعنك].
والمقصود من نقل هذا كله: أن ما اعتمد عليه الكثيرون في تحريم المصافحة من ترك النبي صلى الله عليه وسلم لها في بيعة النساء، ليس موضع اتفاق كما يظن الذين لا يرجعون إلى المصادر الأصلية، بل في الخلاف الذي ذكرناه.
وقد استدل بعض العلماء المعاصرين على تحريم مصافحة المرأة بما أخرجه الطبراني والبيهقي عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير من أن يمس امراة لا تحل له” قال المنذري في الترغيب: ورجال الطبراني ثقات رجال الصحيح.
والمخيط: آلة الخياطة كالإبرة والمسلة ونحوها.
ويلاحظ من الاستدلال بهذا الحديث مايلي:
1- أن أئمة الحديث لم يصرحوا بصحته، واكتفى مثل المنذري أو الهيثمي أن يقول: رجاله ثقات أو رجال الصحيح. وهذه الكلمة وحدها لا تكفي لإثبات صحة الحديث لاحتمال أن يكون في انقطاع أو علة خقية ولهذا لم يخرجه أحد من أصحاب الدواوين المشهورة، كما لم يستدل به أحد من الفقهاء في الأزمنة الأولى على تحريم المصافحة ونحوه.
2- أن فقهاء الحنفية، وبعض فقهاء المالكية قالوا: إن التحريم لايثبت إلا بدليل قطعي لاشبهة فيه مثل القرآن الكريم والأحاديث المتواترة ومثلها المشهورة، فأما ما كان في ثبوته شبهة، فلا يفيد أكثر من الكراهة مثل أحاديث الآحاد الصحيحة. فكيف بما يشك في صحته؟
3- على فرض تسليمنا بصحة الحديث وإمكان أخذ التحريم من مثله، أجد أن دلالة الحديث على الحكم المستدل عليه غير واضحة، فكلمة “يمس امرأة لا تحل له” لا تعني مجرد لمس البشرة للبشرة بدون شهوة كما يحدث في المصافحة العادية. بل كلمة المس حسب استعمالها في النصوص الشرعية من القرآن والسنة تعني أحد أمرين:
1- أنها كناية عن الصلة الجنسية “الجماع” كما جاء ذلك عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى:[أو لامستم النساء] أنه قال: اللمس والملامسة والمس في القرآن كناية عن الجماع. واستقراء الآيات التي جاء فيها المس يدل على ذلك بجلاء، كقوله تعالى على لسان مريم:[أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر](7) [وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن](8).
2- أنها تعني مادونة الجماع من القبلة والعناق والمباشرة ونحو ذلك مما هو مقدمات الجماع، وهذا ماجاء عن بعض السلف في تفسير الملامسة: قال الحاكم في كتاب “الطهارة” من “المستدرك على الصحيحين”: قد اتفق البخاري ومسلم على إخراج أحاديث متفرقة في المسندين الصحيحين يستدل بها على أن اللمس مادون الجماع.
أ- منها حديث أبي هريرة:”فاليد زناها اللمس..”
ب- وحديث ابن عباس:”لعلك مسست”
ت- وحديث ابن مسعود” وأقم الصلاة طرفي النهار…”(9). قال:وقد بقى عليهما أحاديث صحيحة في التفسير وغيره..,وذكر منها:
ث- عن عائشة قالت:”قل يوم إلا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف علينا جميعا-تعني نساءه- فيقبل ويلمس ما دون الوقاع، فإذا جاء إلى التي هي يومها ثبت عندها”.
ج- وعن عبدالله بن مسعود قال:[أو لامستم النساء] مادون الجماع وفيه الوضوء.
ح- وعن عمر قال:”إن القبلة من اللمس فتوضا منها”(10)
ومن هنا كان مذهب مالك، وظاهر مذهب أحمد: أن لمس المرأة الذي ينقض الوضوء هو ما كان بشهوة وبه فسروا قوله تعالى[أو لامستم النساء] وفي القراءة الأخرى [أو لمستم النساء].
ولهذا ضعف شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه قول من فسروا الملامسة أو اللمس في الآية بمجرد مس البشرة البشرة ولو بلا شهوة.
((فأما تعليق النقض بمجرد الشهوة، فهذا خلاف الأصول وخلاف إجماع الصحابة وخلاف الآثار وليس مع قائله نص ولا قياس. فإن كان اللمس في قوله تعالى:[ أو لامستم النساء] إذا أريد به اللمس باليد والقبلة ونحو ذلك-كما قال ابن عمر وغيره- فقد علم أنه حيث ذكر ذلك في الكتاب والسنة فإنما يراد به ما كان لشهوة، مثل قوله في آية الاعتكاف [ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد] ومباشرة المعتكف لغير شهو لاتحرم عليه، بخلاف المباشرة لشهوة.
وكذلك قوله:[ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن] وقوله:[لا جناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن] فإنه لو مسها مسيسا خاليا من غير شهوة لم يجب به عدة ولا يستقر به مهر، ولاتنتشر به حرمة المصاهرة باتفاق العلماء.
فمن زعم أن قوله [أو لامستم النساء] يتناول اللمس وإن لم يكن بشهوة فقد خرج عن اللغة التي جاء بها القرآن، بل وعن لغة الناس بعرفهم، فإنه إذا ذكر المس الذي يقرن فيه بين الرجل والمرأة علم أنه مس الشهوة، كما أنه إذا ذكر الوطء المقرون بين الرجل والمرأة علم أن الوطء بالفرج لا بالقدم))(11)
وذكر ابن تيمية في موضع آخر: أن الصحابة تنازعوا في قوله تعالى:[أو لامستم النساء] فكان ابن عباس وطائفة يقولون: الجماع، ويقولون: الله حيي كريم يكني بما شاء عما شاء.
قال: وهذا أصح القولين.
وقد تنازع العرب والموالي في معنى اللمس: هل المراد به الجماع أو مادونه؟ فقالت العرب: هو الجماع، وقالت الموالي: هو مادونه، وتحاكموا إلى ابن عباس فصوب العرب وخطأ الموالي(12)
والمقصود من نقل هذا الكلام كله أن نعلم أن كلمة “المس” أو “اللمس” حين تستعمل من الرجل أو المرأة، لا يراد بها مجرد وضع البشرة على البشرة، بل المراد بها إما الجماع وإما مقدماته من التقبيل والعناق ونحو ذلك من كل مس تصحبه الشهوة والتلذذ.
على أننا لو نظرنا في صحيح المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجدنا مايدل على أن مجرد لمس اليد باليد بين الرجل والمرأة بلا شهوة ولا خشية فتنة، غير ممنوع في نفسه بل قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم والأصل في فعله أنه للتشريع والاقتداء[لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة](13).
فقد روى البخاري في كتاب الأدب من صحيحه عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال:” إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة، لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به حيث شاءت”.
وفي رواية للإمام أحمد عن أنس أيضا قال:
“إن كانت الوليدة-يعني الأمة- من ولائد أهل المدينة لتجيء، فتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت” وأخرجه ابن ماجه أيضا.
قال الحافظ في الفتح:( والمقصود من الأخذ باليد لازمه، وهو الرفق والانقياد وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع، لذكر المرأة دون الرجل والأمة دون الحرة، وحيث عمم بلفظ “الإماء” أي أمة كانت، وبقوله “حيث شاءت” أي مكان من الأمكنة، والتعبير بالأخذ باليد إشارة إلى غاية التصرف حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست منه مساعدتها في تلك الحاجة لساعد على ذلك.
وهذا دليل على مزيد تواضع وبراءة من جميع أنواع الكبر صلى الله عليه وسلم)(14)اهـ.
وما ذكره الحافظ رحمه الله مسلم في جملته، ولكن صرفه معنى الأخذ باليد عن ظاهره إلى لازمه وهو الرفق والانقياد غير مسلم، لأن الظاهر واللازم مرادان معا. والأصل في الكلام أن يحمل على ظاهره، إلا أن يوجد دليل أو قرينه معينه تصرفه عن هذا الظاهر، ولا أرى هنا ما يمنع ذلك. بل إن رواية الإمام أحمد، وفيها:”فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت” لتدل بوضوح على أن الظاهر هو المراد وأن من التكلف والاعتساف الخروج عنه.
وأكثر من ذلك وأبلغ ماجاء في الصحيحين والسنن عن أنس أيضا” أن النبي صلى الله عليه وسلم قال -من القيلولة- عند خالته –خالة أنس- أم حرام بنت ملحان زوج عبادة بن الصامت ونام عندها واضعا رأسه في حجرها وجعلت تفلي رأسه…” إلخ ماجاء في الحديث.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن حجر في بيان مايؤخذ من الحديث، قال:( وفيه جواز قائلة الضيف في غير بيته بشرطه كالإذن وأمن الفتنة…، وجواز خدمة المراة الأجنبية للضيف بإطعامه والتمهيد له ونحو ذلك…
وفيه خدمة المرأة الضيف بتفلية رأسه. وقد أشكل هذا على جماعة فقال ابن عبدالبر: أظن أن أم حرام أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أختها أم سليم، فصارت كل منهما أمه أو خالته من الرضاعة، فلذلك كان ينام عندها، وتنال منه مايجوز للمحرم أن يناله من محارمه. ثم ساق بسنده مايدل على أن أم حرام كانت منه ذات محرم من قبل خالاته، لأن أم عبدالمطلب جده كانت من بني النجار…إلخ.
وقال غيره: بل كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما، يملك إربه عن زوجته فكيف عن غيرها مما هو منزه عنه؟ وهو المبرأ عن كل فعل قبيح وقول رفث فيكون ذلك من خصائصه.
وردّ ذلك القاضي عياض بأن الخصائص لاتثبت بالاحتمال، وثبوت العصمة مسلم لكن الأصل عدم الخصوصية وجواز الاقتداء به في أفعاله، حتى يقوم على الخصوصية دليل.
وبالغ الحافظ الدمياطي في الرد على من قال بالاحتمال الأول، وهو ادعاء المحرمية فقال:
ذهل كل من زعم أن أم حرام إحدى خالات النبي صلى الله عليه وسلام من الرضاعة أو من النسب، واللاتي أرضعنه معلومات ليس فيهن أحد من الأنصار البتة، سوى أم عبدالمطلب وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد من خراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، وأم حرام هي بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر المذكور. فلا تجتمع أم حرام وسلمى إلا في عامر بن غنم جدهما الأعلى. وهذه خئولة لاتثبت بها محرمية، لأنها خئولة مجازية وهي كقوله صلى الله عليه وسلم لسعد ابن أبي وقاص:”هذا خالي” لكونه بن بني زهرة وهم أقارب أمه آمنه، وليس سعد أخا لآمنه لا من النسب ولا من الرضاعة، ثم قال: وإذا تقرر هذا فقد ثبت في الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، إلا على أم سليم، فقيل له- أي سئل في ذلك-فقال:” أرحمها قتل أخوها معي” يعني حرام بن ملحان. وقد كان قتل يوم بئر معونة.
وإذا كان هذا الحديث قد خص أم سليم بالاستثناء، فمثلها أم حرام المذكورة هنا. فهما أختان وكانتا في دار واحدة كل واحدة منها في بيت من تلك الدار، وحرام بن ملحان أخوهما معا، فالعلة مشتركة فيهما-كما ذكر الحافظ ابن حجر.
وقد انضاف إلى العلة المذكورة أن أم سليم هي أم أنس خادم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جرت العادة بمخالطة المخدوم خادمة وأهل خادمة، ورفع الحشمة التي تقع بين الأجانب عنهم.
ثم قال الدمياطي: على أنه ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بأم حرام ولعل ذلك كان مع ولد، أو خادم أو زوج أو تابع.
قال ابن حجر: وهو احتمال أقوى لكنه لا يدفع الإشكال في أصله لبقاء الملامسة في تفلية الرأس وكذا النوم في الحجر.
قال الحافظ: وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصية، ولايردها كونها لا تثبت إلا بدليل لأن الدليل على ذلك واضح)(15).
ولا أدري أين هذا الدليل، غامضا كان أو واضحا؟
والذي يطمئن القلب من هذه الروايات أن مجرد الملامسة ليس حراما. فإذا وجدت أسباب الخلطة كما كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وأم حرام وأم سليم، وأمنت الفتنة من الجانبين فلا بأس بالمصافحة عند الحاجة كمثل القادم من سفر، والقريب إذا زار قريبة أو زارته من غير محارمه. كابنة الخال أو ابنة الخالة أو ابنة العم أو ابنة العمة أو امرأة العم، أو امرأة الخال أو نحو ذلك، وخصوصا إذا كان اللقاء بعد طول غياب.
والذي أحب أن أؤكده في ختام هذا البحث أمران:
الأول: أن المصافحة إنما تجوز عند عدم الشهوة وأمن الفتنة، فإذا خيفت الفتنة على أحد الطرفين، أو وجدت الشهوة والتلذذ من أحدهما حرمت المصافحة بلاشك. بل لو فقد هذان الشرطان- عدم الشهوة وأمن الفتنة- بين الرجل ومحارمه مثل خالته أو عمته أو أخته من الرضاع أو بنت امرأته أو زوجة أبيه أو أم امرأته أو غير ذلك، لكانت المصافحة حينئذ حراما. بل لو فقد الشرطان بين الرجل وبين صبي أمرد، حرمت مصافحته أيضا. وربما كان في بعض البيئات ولدى بعض الناس أشد خطرا من الأنثى.
الثاني: ينبغي الاقتصار في المصافحة على موضع الحاجة، مثل ماجاء في السؤال كالأقارب والأصهار الذين بينهم خلطة وصلة قوية، ولايحسن التوسع في ذلك سدا للذريعة وبعدا عن الشبهة وأخذا بالأحوط واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، الذي لم يثبت عنه أنه صافح امرأة أجنبية قط. وأفضل للمسلم المتدين والمسلمة المتدينة ألا يبدأ أحدهما بالمصافحة، ولكن إذا صوفح صافح.
وإنما قررنا الحكم ليعمل به من يحتاج إليه دون أن يشعر أنه فرط في دينه، ولا ينكر عليه من رآه يفعل ذلك مادام أمرا قابلا للاجتهاد.
والله أعلم.
(1) انظر الاختيار لتعليل المختار في فقه الحنفية4/155.
(2) المرجع السابق ص156،157.
(3) النور60.
(4) النور31.
(5) الممتحنة12.
(6) البخاري في كتاب التفسير من صحيحه
(7) آل عمران47.
(8) البقرة237.
(9) يشير إلى مارواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن مسعود وفي بعض رواياته: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه أصاب امرأة، غما قبلة أو مسا بيده، أو شيئا. كأنه يسأل عن كفارتها، فأنزل الله عز وجل[وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات]هود114. رواه مسلم بهذا اللفظ في كتاب التوبة برقم40.
(10) انظر المستدرك 1/135.
(11) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،ط الرياض21/223،224.
(12) المرجع السابق.
(13) الأحزاب21.
(14) فتح الباري13.
(15) اظر فتح الباري:13/230،231 بتصرف.